مداخلة العميد البروفسور أنطوان نجيم في مؤتمر سيّدة اللّويزة
"المارونية أكثر من طائفة... إنها نهج حياة"
5 آذار 2010
في غمرة التقهقر الذي منيت به المارونية على مدى السنوات الثلاثين الماضية وأمام تلبّد الآفاق بوجهها في المستقبل القريب والبعيد، كنت كلما خلوت إلى نفسي أسائلها عن العبر من الماضي وفسح الأمل التي لا تزال سانحة ولا بدّ من تلمّسها وتلقّفها، أسمع أصداء يتعالى رجعها في وجداني ويخاطب من خلالي الأجيال المارونية الصاعدة:
لا تخف أيّها القطيع الصغير من التطلّع إلى المستقبل بعزم ورجاء. فالأمانة بانتظارك لتتسلّمها على الرغم مما حلّ بها في الحقبة الأخيرة، لا سيّما على يد أبنائها. فالحياة كرّ وفرّ ومن خسر معركة أو محطة في سباق لا يخسر السباق ولا الحرب إن هو عرف كيف يجعل من الخسارة معبراً لاستعادة القوى والزخم فالنجاح. ليكن اليوبيل السادس عشر لوفاة القديس مارون مناسبة تأمّل لك ومراجعة ماض عبر واستلهام اخفاقاته ونجاحاته العبر وتفعيلِ إرث الأُلى للتغلّب على الصعوبات وتحقيق الرسالة في مستقبل لا يزال واعداً بالثمر.
1-أنت تحمل إسم مارون وتنتسب إلى جماعة عُرفت بجماعة "بيت مارون"
إفقه معنى الإسم وانتسب إلى الجماعة بوعي ومسؤوليّة. مارون في مستهل الطريق شفيع قدوة ومثال خيارات جذريّة تؤدّي إلى بطولة القداسة. اعتزل الناس للنسك في العراء؛ فأمّه الناس في عزلته مسترشدين مستشفعين. قاوم الشرّ وحوّل هيكلاً وثنياً إلى بيت عبادة للإله الحق. تصدّى للأسقام بعلاج الصلاة وحدها، فشفى من عاهات جسديّة وأمراض نفسيّة. أمّن التواصل وأوثق عرى المحبة بين نسّاك متوحدين في ناحيته فكان لهم أباً جامعاً وكانوا نواة الجماعة الأولى التي سارت بهديه وإرشاداته وأفضت مسيرتها إلى تكوّن الجماعة واكتمال بنيتها البطريركية الكنسية.
عسى أن تكون لك سيرته العبرة الأولى والأساسية. كن جذرياً في اختيارك رضى الرب ومثالية السلوك الحياتي رائداً مبدعاً، داعية محبة وصلاة وفضيلة، أينما وجدت في لبنان والشرق والعالم بأسره، وفي أي مجال من مجالات العمل الإنساني.
2-أنت من جماعة كان لها في مستهل الدرب نهج تميّزت به
التزمت الاستنارة بهدي المثال الأول وتحقيق رسالة أنسنة شخصانية في بيئتها تعلي شأن الإنسان؛ إنها دعوة إلى الإتحاد بالمسيح الإله المتجسّد وللعمل بعقيدة خلقيدونية وأصالة مسيحية والوفاء لمبادىء إنسانية وقيم مميّزة، كل ذلك بذهنية رسولية تذلّل الصعوبات وتهون في سبيلها التضحيات على أنواعها، حتى إذا كانت التخلّي عن رغد العيش وسهولته، وإذا اقتضى الأمر عن الحياة عينها شهادةً للحق وحفاظاً على الحريّة والاستقلال وتقرير المصير بعيداً عن الارتهانات، فهي من الشرق المسيحي في موقع الأصالة والنقاوة ومن الإنفتاح على الكنيسة الجامعة في موقع الريادة والوفاء منذ البداية وفي مختلف مراحل المسيرة.
العبر كثيرة في تلك البدايات الحاسمة، تمعّن بها وخذ بكنهها في مواجهتك المستقبل بعزم وثقة وإيمان.الإلتزام بالعقيدة والمبادىء والقيم الخاصة حق لا غبار عليه، بل واجب يحفظ الذات واستقلاليتها وحرية الإنسان في التعبير. الإنفتاح على الغير ليس ارتهاناً له، أياً يكن هذا الغير: من الشرق أم من الغرب، مسيحياً أم غير مسيحي، آخذاً بالعقيدة عينها أم مختلفاً. حقّك عليه وحقّه عليك الإحترام المتبادل بدون هيمنة ولا انصياع ولا اصطفاف. والإنفتاح والتميّز لا يتناقضان، بل يتلازمان إذ لا معنى لانفتاح ما لم يقترن بتميّز، ولا معنى للتميّز ما لم يقم في إطار من الإنفتاح. والتميّز بذاتية وثقافة ونهج حياة ليس بالضرورة عداءً يجرّ إلى التناحر والقتال. ولئن أدّى بك التميّز إلى استقلال، فليكن الإستقلال لك بمثابة الحفاظ على الذات وصيانتها من الضياع والذوبان والتلاشي، ولكن دونما عمل على حرمان الغير من الحقوق عينها التي تتمتّع بها وقد ناضلت من أجل الحصول عليها.
3-أنت من جماعة كنسية كانت لها مسيرتها الخاصة منذ اكتمالها واستقرار قيادتها الروحية في قلب قاعدتها الشعبية في لبنان
حفلت مسيرتها بالإنجازات ولم تخل من الإخفاقات، ما يحفز على التأمّل فيها واستخلاص العبر. تحصّنت في الجبل، حول بطريركها وبقيادة مقدّميها فجلّلت الصخر وأخصبت القفر وانتشرت على مدى الجبل وسفوحه فكانت لحمة بين الأطياف اللبنانية على اختلافها، وزرعت بذور قيم مميّزة، منها حب الحرّية والإستقلال، فكانت نواة للكيان اللاحق الفريد في محيطه بتعدّديته وتلاقي الأديان فيه ومناخ الحريّة والإبداعات. جمع أفرادها بين المثالية والفعالية الواقعية مبدعين كفلاحين ومزارعين في تخصيب الأرض واستثمارها، كتجّار مغامرين يتخطّون الآفاق يرودونها غير آبهين بالصعوبات، كمدافعين عن حياتهم وكراماتهم وحرّياتهم الفردية والجماعية واستقلال أرضهم، كمثقّفين يبذلون الغالي والنفيس ليتثقّفوا. وقد أكبّوا تالياً على تثقيف من يتعايشون وإياهم ووضعوا عملهم وثقافتهم في خدمة القضايا الوطنية والإنسانية الجامعة في ما بينهم. قدّموا لشركائهم في المصير ما لا يستطيع غيرهم تقديمه من التزام ومثالية وفعالية، فقبلهم شركاؤهم كما هم دونما تميّيز ولا عقد فوقية أو دونية. تلك كانت مسيرة الجماعة التي تنتسب إليها. والعبر منها جليّة.
- كن مثالياً في رؤياك الوجودية، فعّالاً في تطبيق مثاليتك في الواقع، أياً كان المجال الذي تحقّق فيه ذاتك ورسالتك؛ قم بدورك لا سيّما في تقديم الخدمات التي لا يستطيع غيرك تقديمها لشرائح المجتمع المتنوّعة التي تعيش معها؛ عندها يتقبّلك الغير كما أنت، بل كما تريد أن تكون، وتستطيع أن تفرض عليه الإعتبار الذي تستحق إنطلاقاً من عطاءاتك وقدرتك على إضفاء المزيد من الأنسنة على مجتمعك وشركائك المحليّين والإقليميين، فتسهم بذلك إسهاماً حقيقياً في التطوّر والتقدّم؛ كن سباقاً في توظيف مؤهّلاتك في تحقيق رسالة وطنك واستثمار ما تتمتّع به من معطيات مميّزة. كن فاعلاً مؤثراً في نقل الحداثة إلى مجتمعك في سائر الميادين، بخاصة ميادين الريادة التكنولوجية والمعلوماتية، بحيث تتبوّأ مكانة متقدّمة في محيطك والعالم، وميادين التنمية الإنسانية الروحية بحيث تبقى للحضارة والثقافة اللتين تنادي بهما نكهة خاصة تعلي شأن الروح وتشبع حاجات الجسد، تنمي الإنسان، كل الإنسان وكل إنسان.
4-أنت من جماعة مكتملة دينياً ومدنياً، تسلّمت في المرحلة الأخيرة مقاليد القيادة في مجتمعها التعدّدي، فحقّقت أموراً كثيرة للبنان
أصاب ازدهاراً بعهدتها، قلّ نظيره في المنطقة، ما أثار حولها غيرة وأطماعاً. لكنها اخفقت في تحقيق اللّحمة الوطنيّة المرجوّة لأسباب تتحمّل هي جزءاً من مسؤوليتها فيما يتحمّل شركاؤها الجزء الآخر. من أسباب الإخفاق، إسترخاء قادتها وقاعدتها الشعبية وإحلال المصالح الخاصة قبل المصلحة الجماعية وإلباس السعي الخاص الأناني زيّاً طائفياً يبرّره ويسوّغ العمل بموجبه، بدلاً من توظيف الطاقات الخاصّة إعلاءً لشأن الطائفة بكاملها وبمعناها المعبّر عن جماعة التجذّر والانتساب والشراكة الوطنية وتحقيقاً للرسالة التي يكلها إليها المجتمع الوطني بكامل أطيافه.
لم يكن عملها على قدر الآمال المعقودة عليها من قبل أبنائها ومن قبل جميع شركائهم في الوطن. أساء بعض المتسلمين زمام الأمور فيها إلى صورتهم وصورة الجماعة التي يمثّلون وأثاروا ما لدى شركائهم من أطماع دفينة وشهية هيمنة مكبوتة، فتحوّل الصراع على السلطة إلى تشرذم وانقسامات وخصومات، ومن ثمّ إلى صراع سياسي بين مختلف الطوائف، ما لبث أن اتخذ أشكالاً عسكرية خطيرة بدفع من قوى خارجية وارتهانات محليّة وغير محليّة. ما أثّر سلباً على الجماعة بأسرها من جرّاء الهجمات التي شنّها عليها خصومها ومنافسوها من سائر الطوائف. والأخطر من كل ذلك تشقّق اللّحمة الداخليّة في قلبها والجراح التي أثخنت بها على يد أبنائها من جرّاء الإقتتال الذي اندفعوا إليه؛ فكان ما كان من حدٍّ لنفوذها وإحلال للغير في مواقع كانت في عهدة أبنائها.
لا مجال للتوسّع في الآثار السلبيّة التي آلت إليها الحرب التي دارت رحاها على الموارنة بشكل خاص. إلاّ أن العبر فيها كثيرة لأبناء الموارنة إذا ما شاؤوا تسلّم الأمانة والإستمرار في الحضور الفاعل في لبنان.
فيا أيّها الشاب الماروني، لا تزال بعهدتك قضية على قدر كبير من الأهميّة في هذا الشرق، باستطاعتك التنكّر لها وتجاهلها، أو التنازل عنها والإستقالة من المسؤوليات الجسام التي ترتّبها أو الهجرة الكاملة عنها وتناسيها للبحث عن مجالات جديدة لتحقيق ما تعتبره ذاتك وحقك؛ كما باستطاعتك الإستمرار والنهوض بها على الرغم من التعثّر الذي أصابها. إنها قضيّة الحريّة وكرامة الإنسان في هذا الشرق، قضية الإنسان السيّد في وطن سيّد مستقل بدوره.
حقك الخيار والخيار الحرّ؛ إلاّ أن الشرط الأساسي في الحرية أن تكون واعية ومسؤولة، أن تدرك المقتضيات والأبعاد التي يرتّبها أي خيار تتّخذه وأن تعمل ما يمليه الضمير من واجب إنساني شخصي وجماعي.
بتخلّيك عن القضية تتنازل عن إسم زاخر بالحوافز والمثل، عن هوية ممّيزة، عن تاريخ مجيد حافل بالإنجازات وعن تراث عريق يشرّف ورثته ويغني كل من يطّلع عليه ويعبّ منه. صحيح أنك قد تنجح في خيارك الجديد لما تتمتع به من مؤهلات وخبرة سابقة. لكنك قد تفشل أيضاً، ولئن نجحت فلن يعوضك ذلك ما فقدت من جذور وأصالة، وقد يتهدّد ذاتيتك وخصوصياتك التمزّق والذوبان والضياع.
أما إذا اخترت البقاء والاستمرار في تحمّل مسؤولية مشروع الأنسنة المستديمة على الرغم من تعثّره المرحلي، فالأمل أن تفيد من عبر الإخفاق فتصوّب المسيرة وتسهم في إعادة الجماعة إلى النهوض بمسؤولياتها. تذكّر قول السيد في تقييمك للمرحلة الأخيرة من مسيرة جماعتك: "كل مملكة تنقسم تخرب وتنهار بيوتها بعضها على بعض..." (لوقا 11، 16-17). إحرص ألاّ يكون اندفاعك وقوداً يستخدمه الطامحون إلى التفرد بالقيادة والقرار. الإلتزام واجب لكنه غير الإصطفاف. فالإلتزام يفترض قناعة بمبادىء وقيم؛ والإصطفاف تنازل عن القناعة الشخصية وشروطها المتمثّلة بالوعي والتحليل والنقد والقرار لحساب رأي واحد لا يناقش بل يتبع عشوائياً. تسلّح بقدر كافٍ من الوعي لكرامتك الذاتية وتراث جماعتك الأخلاقي كي لا تنضمّ آلياً لأجواق المهلّلين والمصفّقين لمن يعتقهم من مسؤولية القرار الحرّ وإن أرزحهم ذلك تحت ثقل النتائج المترتّبة على انقيادهم. قم بواجب المساءلة قبيل تجديد أي ثقة أو خيار؛ فالعصمة لله وحده والمساءلة حماية للمسؤول نفسه من التفرّد المطلق ومن الشطط والإخلال بمصالح الجماعة.
في الختام، أيّاً تكن التزاماتك الحزبية وتوجّهاتك السياسية وحيثيّاتك المهنية العملية، كن جذرياً على خطى مارون الأب المثال، وتطلّع، أنّى كنت ومهما صنعت، إلى الكمال الإنساني الذي يدعو إليه الربّ وإلى تحقيق ذاتك ورسالتك في حب الله وخدمته عبر الآخرين الذين تتشارك وإيّاهم الأرض والعيش ومسؤولية المصير الوطني. كن على قدر المسؤوليات التي تنتظرك: صحيح أنك مسؤول عن ذاتك أولاً فحققها وفياً لجذورك وللرسالة التي أعدّك الرب للقيام بها. لكنك، بالقدر عينه، مسؤول عن جماعتك ودورها ومكانتها، فصنها من التشرذم والإستقالة والإمّحاء، واحمِ تاريخها وتراثها ومستقبلها من التلاشي والضياع؛ بل أنت مسؤول، إلى حدّ كبير، عن وطنك فأسهم بأدائه رسالته كمنتدى تعدّدي للبشر متميز بغناه الإنساني وروافده الثقافية وجمعه الأديان والحضارات ودفعها إلى التحاور والتفاعل، إرساءً لأنسنة جديدة تعلي شؤون الروح ولا تبخس الجسد حقوقه، تنمي الشخص والجماعة على السواء، دونما إحداث أي خلل لأحدهما على حساب الآخر. وفي النهاية أنت مسؤول، ككلّ مدعو إلى القداسة والكمال، عن الإنسانية بأسرها؛ كل ما تفعله، صغيراً كان أم كبيراً، يؤثّر في مخزون البشرية العام على اختلاف مكوّناته، وفي موكب الحضارة الشاملة المتقدّم إلى مزيد من الإنجازات المتنوّعة والمتداخلة والموحّدة.
في سعيك، ثق بأن لك في السماء رصيداً من صلوات وأدعية وتضحيات؛ وليكن لك من الإيمان بربك وجماعتك وذاتك قدر حبة الخردل لتستطيع بسعيك وعون الله والعذراء والقديسين في قومك، لا أن تنقل الجبال فحسب، بل أن تستعيد إشراقاً خبا وتألقاً كبا وعساك بالإيمان وتجديد العزم وتصويب المسيرة تسترجع ريادة تعثّرت ورسالة فترت. أنت الآن على موعد مع التاريخ والمستقبل، بين مكانة الجماعة ودور الوطن، لبِّ النداء بعزم المؤمن وزخم الرسول، تحققْ ذاتك وتسلم الجماعة والوطن ويربح الإنسان.