| عظة المونسنيور منير خيرالله في عيد مار مارون كفرحي 9-2-2010 |
|
في سنة ما رماون اليوبيلية نحن مدعوون إلى وقفة ضمير المونسنيور منير خيرالله الأمين العام للّجنة البطريركية لاحتفالات يوبيل مار مارون في 9 شباط يوم عيد مار مارون، أعلن صاحب الغبطة والنيافة أبونا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الكلي الطوبى من كاتدرائية مار جرجس في قلب بيروت عن افتتاح السنة اليوبيلية التي أقرّها مع مجلس مطارنته لمناسبة مرور ألف وستماية سنة على وفاة القديس مارون الناسك والكاهن. سنة اليوبيل هي سنة مقدسة تدعو فيها الكنيسة إلى مسيرة صلاة وتضحية، وفحص ضمير، وفعل توبة، وفرصة تفكير عميق، من أجل تنقية القلوب وتغيير الذهنيات. لذا فالاحتفال بعيد مار مارون هذه السنة كان مميزاً، لأنها المرة الأولى التي تعلن فيها كنيستنا المارونية سنة يوبيلية لأبيها وشفيعها ومُلهم روحانيتها الانطاكية تحت شعار « مار مارون- شهادة إيمان ومسيرة شعب». إنها دعوة إلى وقفة ضمير من أجل عودةٍ إلى الله وإلى الذات وعودة إلى الجذور الروحانية للتأمل فيها ومحاسبة النفس واتخاذ العبر. وقفة ضمير تكون حافزاً لتوعية كنسية ووطنية تجعلنا نعود، نحن أبناء مارون، لا إلى أنفسنا ومصالحنا الشخصية بل إلى الدعوة التي دعانا المسيح إليها بواسطة أبينا مارون وتلاميذه من بعده في روحانية انطاكية أظهرت قدرتها على حمل شعب على الاستمرار في وجه كل التحديات. في العودة الى حياة مارون وتلاميذه، نرى أنهم أسسوا في القورشية لروحانية تحاول تطبيق الانجيل بصرامة في حياة زهد ونسك وصلاة وتبشير. وتميّزت تلك الروحانية الانطاكية المارونية بحياة متكاملة جمعت بين النسك والرسالة. فالنسك تميز: بالعيش في العراء وعلى قمم الجبال، وبالوقوف المستمر، وبالصلاة المتواصلة والسهر والصمت العميق، وبالتقشف وقهر الذات، وبالعمل في الأرض واستثمارها والعيش منها. أما الرسالة فقد تميزت: بالهجرة من أجل الرسالة وتبشير الوثنيين وحملهم على الايمان بالمسيح وتحويل معابدهم الى كنائس وأديار، وبموهبة صنع المعجزات التي أنعم الله عليهم بها. وببناء الأديرة وجعلها منارة لنشر الحياة المسيحية والثقافة والعلم. فكانت روحانيتهم هذه روحانيةَ الصليب ترتكز الى بُعدين: البُعدُ العامودي وهو خط النسك والعبادة والصلاة، خط العلاقة بالله، خط يربط الأرض بالسماء، والبُعدُ الأفقي وهو خط التبشير والكرازة، خط الرسالة، خط يربط أهل الأرض بعضهم بالبعض الآخر. هكذا عاش الموارنة، بعد مارون وتلاميذ مارون، خمسة عشر قرناً وكانوا «جماعة الصلبوت في كنيسة الناسوت» على حد قول الأب العلاّمة يواكيم مبارك. أتى تلاميذ مارون أول ما أتوا الى جرود جبيل والبترون والجبّه وبشروا وعمّدوا ونشروا روحانيتهم. الى أن أتى يوحنا مارون وأسس البطريركية المارونية ونظّمها في كنيسة قائمة بذاتها. واتّبع الموارنة معه وبعده مقوّمات الروحانية التي تركها لهم آباؤهم المؤسسون. فعاشوا في العراء على قمم الجبال أو في قعر الوديان وتحمّلوا أشق العذابات. عاشوا دائماً واقفين ومستعدين لملاقاة ربهم بالصلاة والصوم والسهر والصمت. عملوا في الأرض وحوّلوها الى جنّات وتمسكوا بها وأحبوها لأنهم تعبوا عليها وسقوها من عرق جبينهم. عاشوا لا يهابون الاضطهادات. فكلما كانت تشتد عليهم المحن كانوا يتوكأون على عصيّهم الخشبية كي لا يرضخوا فيرتخوا فيُستعبدوا. انطلاقاً من مقومات هذه الروحانية وثوابتها، نتساءل ما هو دورنا في مواجهة التحديات الحاضرة في الأيام التي تعاني فيها كنيستنا المارونية، ولبنان معها، من التراجع الجغرافي والتدني الثقافي والانحطاط الأخلاقي والهجرة المتزايدة ؟! علينا، أولاً، أن نعود الى الله والى ذواتنا، على مثال الابن الضال، لنتوب توبة صادقة ونتغلب على الخوف والقلق اللذين فينا وننطلق بشجاعة ورجاء في رسالة أممية جديدة. علينا أن نعود الى الصلاة – الصلاة الفردية والعائلية والجماعية – لمناجاة الآب واللقاء بالمسيح بعيداً عن ضوضاء دنيانا وبهرجاتها. علينا أن نتبنّى موقف الحق الذي لا يساوم ولا يراوغ لأنه موقف المسيح. هكذا فعل آباؤنا وأجدادنا وبطاركتنا ومطارنتنا وقديسونا. عاشوا على قمم الجبال أو في قعر الوديان كي لا يعيشوا في السهل ويُجبروا على تبنّي موقف السهولة. فكانوا أنبياء يرفعون صوتهم في الدفاع عن الحق. علينا، ثانياً، أن نعود الى روحانية الأرض. ونعني بروحانية الأرض العملَ فيها والتعلّق بها والسخاء عليها والدفاع عنها لما تمثل بالنسبة الينا من قيمة عليا في تضامن الشعب في السرّاء والضرّاء. أرضنا كانت سبب خصوصيتنا المارونية ووجودنا الحر. فلنعدْ اليها ونسقِها من عرق جبيننا ونتعلق بها وندافع عنها ولا نبيعها حتى بأغلى الأثمان ولا نتركها فريسة الغزوات والاحتلالات. ولنوقف الهجرة والسفر وراء الكسب السهل في بلاد غريبة. علينا، أخيراً، أن نعود الى الانفتاح والحرية والعيش المشترك، أي الى إحياء دعوة لبنان التاريخية. الحرب اللبنانية وما حلّ بالمارونية من جرّائها لا مثيل له في تاريخها. فالتهجير الذي تسبّبت به هذه الحرب يمثل أول تراجع للمارونية في امتدادها المتواصل وانتشارها المستمر حتى أقاصي الأرض، وأول تراجع عن التزامها الوطني بلبنان الدولة والكيان. علينا أن نعمل من جديد على إعادة بناء لبنان رسالةً للعالم ووطناً للعيش المشترك ولقاءاً للحضارات والثقافات. إننا نرجو أن تكون هذه السنة اليوبيلية مناسبةً لتوحيد الموارنة أولاً حول أولوية حمل رسالتهم الإنجيلية بالمصالحة والمحبة والانفتاح والحرية، ولتوحيد اللبنانيين ثانياً حول أولوية حمل رسالتهم الفريدة والمميزة بالعيش الواحد واحترام التعددية وبناء البيت المشترك لبنان الرسالة. |
