المارونية : نهج صعود إلى العمق

جامعة سيدة اللويزة

5 آذار 2010

الأخت باسمة الخوري الأنطونية

 

قال يسوع لتلاميذه مرة "أنا الطريق" (يو 14: 6)، فتركه العديدون وذهبوا حزانى، وتبعه القليلون لاقتناعهم، على ما قال بطرس الرسول، أن لا مكان يذهبون اليه "وكلام الحياة" عنده. ففي إعلانه أنه هو الطريق، غيّر يسوع كل معالم التديّن والتعبّد، جاعلاً من نفسه النهج والهدف. حوّل نظر المؤمنين، من التركيز على المكان المقدّس، والشريعة المقدّسة، والشعب المقدّس، إلى التركيز على إله يسير معنا، يقودنا عبر آلام الحياة، لنصل معه إلى الفصح الحقيقي. قال "أنا الطريق" فترك المتديّنون تديّـنهم وصاروا مسيحيين.

لكن السير مع يسوع كان عسيرًا وخطيرًا، وطريقه صعب التمييز. فمذ سمع سمعان بأنه الصخرة التي عليها سيبني الرب كنيسته (مت 16: 18)، حتى بدأ يخطّ للمسيح طريقًا "منطقيًّا" يجنّبه عثرة الصليب، فاستحق تلك العبارة المخيفة :"ورائي يا شيطان، لأن أفكارك ليست من الله بل من البشر" (مت 16: 23).

كل القصة تكمن إذًا في التمييز بين أفكار الله، وأفكار البشر القادرة أن تحوّل الصخرة الراسخة إلى شيطان مضلِّل. هنا يكمن جوهر ما يجعل من المسيحي صخرة يبني الرب عليها كنيسته، أو إنسانًا يستغلّ دوره كصخرة دون أن يفهم معناه، ليلعب دور الشيطان الذي يقدِّم طريقًا بشريًا "آمنًا"، بدلاً من اتّباع المسيح وتقديمه كنهج أوحد.

 

 

مسيـح ومسيحـيون

قبل أن يُطلق على المسيحيين هذا الإسم، كانوا يُعرفون بـ"أتباع النهج"، أتباع الطريق. إنهم العابرون دومًا، يسيرون باستمرار وراء من "يسير قدّامهم"، ويتقدّمون في عمق التخلّي نحو المجد الإلهي. ويوم تسمّوا مسيحيين، ما كان ذلك إلا لإيمانهم بأن كلاًّ منهم "مسيح صغير" يموت على مثال مسيحه، ليقوم معه متجلّيًا، ممجّدًا، رافعًا معه العالم.

لكن المسيحيين بشر، ضعفاء، لا يثقون إلا بذكاء ضعفهم، ومنطق هشاشتهم! سرعان ما تركوا "النهج" المتحرّك دومًا نحو الصليب، واحتموا "منطقيًا" بالطائفة المستقرّة والمنظّمة[1]... فقام بولس يعظ: إنتبهوا "لا يمكن لأحد أن يضع أساسًا غير يسوع المسيح" (1 كو 3: 11)، ويحذّر: "بلغني أنكم عندما تجتمعون تقع بينكم الانقسامات" (1 كو 11: 18)، ويعلّم: "تتبعون الحكمة وتتركون جهالة الصليب..." (1 كو 1: 18-25).

على هذه العبارات ارتكز مارون في خضمّ معارك الحكمة التي غرق فيها المسيحيون المشرقيّون في أيامه، وانتفض. رأى مارون أن المسيحيين انجرفوا في مسيحيتهم، وأرادوا قيادة المسيح في طريق الأفكار البشرية، والغوغائية العقائدية، فخاف من هذه المسيحية التي عاد فيها المسيحيون إلى نهج حواء وآدم، فمدّ كل منهم يده ليقطف من شجرة المعرفة، ويؤكّد للآخرين معرفته الحقّة بالله، فاختلف الكل مع الكل، بسبب الله، واقتتلوا. فهِمَ أمام هذا المشهد أن المسيحيين ضلّوا عن طريق مسيحهم؛ احتفظوا باسمهم، لكنهم أضاعوا هويّتهم. فتألم، وانتفض، وتاب عن مسيحيّتهم ليعود إلى المسيح. تاب عن طريقهم وعاد إلى الطريق والحق والحياة.

من "المسيحية" كدين، إلى "المارونية" كنهج

مارون هو ظاهرة توبة وتكفير، هو مسيرة تحرّر استلهم فيها مسيرة شاول- بولس ابنِ أرضه. فكما بولس، ترك مارون ذكاء الأذكياء، وقوة الأقوياء، وغنى الأغنياء، وفلسفة المتفلسفين، وسياسة المخلِّصين وعقائد المتديّنين... وتبع نهج الذي " تجرّد من ذاته... حتى الصليب..." (فيل 2: 9). اتخذ مارون طريق التخلّي، لأنه فهم أن كبرياء العالم وسلطته ليسا سوى لعبة يحملها طفل، فيظن أنه قائد حرب يحتلّ العالم. كان عليه أن يختار فإما اللعب مع من يلعبون، وإما الطريق والحق والحياة. تخلّى عن مرح اللعب وعن سعادة القوة التي يمنحه إياها الظن بأنه القوي الغالب، وتجرّأ على سلوك طريق الأبطال الذين لا يخافون دخول الموت للوصول إلى السماء.

إنها انتفاضة العودة إلى حياة مسيحيّة تتبع مسيرة المسيح الذي "ما عدّ مساواته لله غنيمة، بل تواضع" إلى العمق حتى الموت، فاستحق "الاسم الذي يفوق كل الأسماء" اسم "الرب، الموريو".

يوم انتفض شاول على مسيحانيّة المتهوّدين المتمسّكين يديانتهم المسيحانية، وُلدت المسيحية، ويوم انتفض مارون على مسيحية تفلسفت بدلاً من أن تعمّد الفلسفة، وتسيّست بدلاً من أن تعمّد السياسة، وتاجرت بدلاً من أن تعمّد التجارة... وُلدت المارونية. لا أظن أن اسم مارون كان مارون قبل انتفاضته، بل أعتقد بأنه تسمّى مارونًا كما تسمّى المسيحي مسيحيًا. كان لا بدّ لطالب النسك أن يغيّر اسمه على عادة المتنسّكين الذين يتخلّون حتى عن اسمهم، فبحث عمّا يعكس انتفاضته ورفضه للواقع المسيحي الذي شوّه جذرية نهج المسيح، فوجده في لقب "مارون". فإن كان المسيحي هو "المسيح الصغير"، فمارون هو "الرب الصغير". بكلام آخر اتخذ مارون لقبًا مرادفًا للّقب "مسيحي"، معلنًا من خلاله تمسّكه بالمسيح الرب، وتوبته عن مسيحية المسيحيين معاصريه، وعن حكمتهم البشرية. كانت المسيحية يومها مرادفًا للاقتتال والانقسام والمجادلات المنطقية، فغيّر مارون اسمه تعبيرًا عن عودته  إلى نهج "الموريو"، نهج جهالة الصليب.

وتحوّلت حياة مارون إلى عدوى أصابت كل الشعب. نهج حياته أنار حوله فاستنار الناس وتبعوه. عاش، فتحوّل فيروسًا أصاب من عرفه من المسيحيين الباحثين عن مخرج يصحح مسار مسيحيّتهم، اقتدوا به كما اقتدى بـ"الموريو"، فصار مارون موارنة. كانت حياة الوالد الزوجيّة والأبويّة مارونيّة، وحياة المرأة الابنة والزوجة والأم مارونيّة، وصارت حياة الراهب والراهبة مارونيّة، وحياة السياسي والتاجر والمفكّر والمربي حياة مارونيّة... وعادت المسيحية من الدين إلى النهج.

أكثر من طائفة : نهج جديد للشرق والعالم

الموارنة أكثر من طائفة، طبعًا!

فكما المسيح، لم يظن مارون يومًا بأنه يؤسّس طائفة، أو مؤسّسة، أو هيكليّة بشريّة ما. كما "الرب"، لم يكتب مارون، بل عاش وأرسل الذين تبعوه واللواتي تبعنه ، واثقًا بأمانتهم، وبجرأتهم وبطولتهم في الصبر على صعوبات هذا النهج المنتفض دومًا على كل ما يشوّه إرادة الرب.

كان همّه وهمّ من تبعه أن يمشوا طريق الكمال معًا. أرادوا أن يُظهروا للعالم بأن هذا الطريق ممكن وأن دعوة المسيحيين هي البطولة الروحيّة. عبر الأزمنة، عاشوا هذا النمط البطولي في حفاظهم على قيم البساطة والتجرّد والصدق والسلام والانفتاح والثقة بالله والتواضع والثبات. فأين الموارنة من  هذا النهج اليوم؟ وهل ما زلنا "موارنة" الانتفاضة ضد الواقع الفاسد الضال كما أرادها مارون؟

نحن بحاجة إلى أن نقتنع بأننا ربما نكون قد حدنا عن طريق مارونيّتنا، وصرنا في طريق مغاير تمامًا، نتنافس فيه مع غيرنا للوصول إلى أهداف ليس لنا أية صلة بها. فلندع الروح يذكّرنا بأن هدف وجودنا هو إظهار البعد الروحي الإلهي النسكي في قلب العالم، وأنه إن انقطعت علاقتنا بهذا الهدف زال مبرر هذا الوجود.

مارونيتنا طريق صعود إلى أعماق صورة الله المحفورة فينا، فهل لا زلنا واعين لماذا نحن موارنة؟ أم أننا وقعنا بما وقع به من انتفض مارون عليهم، فشابهنا الجميع: طحين بين الطحين، خوفًا من خطر كون الخميرة أقلّية؛ وطبيخ من جملة طبخات العالم، خوفًا من ذوباننا كملح؛ وفرح في التخبّط في الظلمات ليقبلنا أهل عالم الظلمات؟

 

طريق مارون طريق خنوع وضعف، أو تهوّر لا منطقي؟ نعم في نظر "عقلاء" هذا العالم الذي أقنعنا بأننا منه. في عالم يمجّد الجسد وذكاءه وقوته، سيكون منطق الله مضطهدًا... ستكون المارونيّة الحقّة مضطهدة حتى من المارونيّة... إن تحوّلت هذه المارونيّة عن مارونيّة مارون.

المارونيّة ليست حلمًا مستقبليًا لا يتحقّق، ولا حنينًا لماضٍ مات وانقضى. إنها عنصرة شغف دائم، عنصرة  نارٌ تحرق وتطهِّر، عنصرة عاشها مارون وتبعناه، فهل نصدِّق بأن العنصرة ضروريّة اليوم، وبأننا مدعوون لنختم هذا العالم ومجتمع الألفيّة الثالثة بختم نهج المسيح المصلوب الممجّد، نفكّر فكره، نقول كلمته ونعمل أعماله؟

نعم، نحن في أيام عنصرة جديدة. عنصرة تأتي في وضع شبيه بما عاشه الرسل من ألم موت الرب، واليأس من قبره الفارغ، والخوف من إخوتهم اليهود، ومن سلطات الامبراطوريات الكبرى... لكن الرب قادر على تخليع أبواب خوفنا الذي لا مبرَّر له، وعلى إرسال روحه يعلّمنا كيف نرجو، وكيف نتجدّد، وكيف ننتفض على جهل حكمتنا البشرية لنتمم ما لأجله نحن موارنة...

إن المارونية روحٌ مسيحيّة متّقدة، قوة دفع روحيّة، رسالة عبر الأزمنة وعبر الأمكنة. إنها حركة اعتراضيّة في المجتمع، استثناء وشواذ يكسر قاعدة منطق العالم الذي ينشد العلو السهل، فينزل الماروني عمق الوديان ليرتفع. إنه السالك طريق جهالة الصليب.

إن طريق الموت الحق هو طريق القيامة الحقّة؛ فالمسيحيّة قامت عندما قبِل المسيح الموت والقبر، والمارونية قامت اعتراضًا على مسيحيّة مشوّهة، وإنعاشًا لمسيحية من استحق أن يكون "الـموريو" بقبوله الصلب والموت. إن موتنا عن منطق عالم اليوم وعن تديّنه وسياسته وقدراته وسبله ... هي طريق قيامتنا، وقيامتنا قيامة للعالم كلّه!

فاذكروا أيها المكرسون والمكرسات، اذكروا أيها السياسيون، أيها التجّار، أيتها العائلات... أذكروا يا كل الموارنة أنكم موارنة إن عشتم وشهدتم لهذا الهدف.

نحن أمام يوبيل ماروني، وأمام تحضير لسينودس من أجل الشرق الأوسط! إنه زمن الخيارات الكبرى، فهلاّ أنشأنا خليّة طوارئ لفحص ضمير ماروني جماعي، يضع الإصبع على الجرح الحق، ويجد الطرق الناجعة للتوبة والحياة.

قال الرب: "حيث الروح فهناك الحريّة" حرية العالم مسؤوليّتنا اليوم، فلنعد إلى الروح، لتعود الروح إلى لبنان والى الشرق والعالم الذي ينتظر تجلّي أولاد الله. وإن الله على كل شيء قدير... فينا.



 [1]الطائفة مفهوم يشير إلى عدد من البشر، ويتضمّن فكرة الأقلّية العددية المتحرّكة في إطار الكل. امتزج هذا المفهوم مع الوقت مع مفاهيم أخرى فلسفية أو فكرية أو دينية...